الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

380

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم تضيف الآية أنهم بسبب من كفرهم بالمبدأ والمعاد فإن أعمالهم قد حبطت وضاعت : فحبطت أعمالهم . وغدت تماما كالرماد في مقابل العاصفة الهوجاء . ولأنهم لا يملكون عملا قيما ثمينا لذا : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا . لأن الوزن يخص الأمور الموجودة ، أما هؤلاء فلا يملكون شيئا من الأعمال ، ولذلك ليس لهم وزن ولا قيمة ؟ وفي إطار بيان جزاء هؤلاء ، تكشف الآية عن ثالث سبب في انحراف وخسران هؤلاء ، وهو الاستهزاء بما انزل الله فتقول : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ( 1 ) . وبذلك فإن هؤلاء انتهوا إلى إنكار الأصول الأساسية الثلاثة في الاعتقاد الديني ( المبدأ ، والمعاد ، ورسالة الأنبياء ) والأكثر من الإنكار أنهم استهزؤوا بهذه الأمور ! والآن بعد أن عرفنا علامات الكفار والأخسرين أعمالا ، وبعد أن انكشفت عاقبة أعمالهم ، تتوجه الآيات إلى المؤمنين فتبين عاقبتهم ، وبمقايسة بين الاثنين نستطيع تشخيص كل طرف بشكل كامل . تقول الآية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا . " الفردوس " بقول كبار المفسرين ( البستان ) الذي يشتمل على كل النعم والمواهب اللازمة ، وبذلك فالفردوس هو أفضل وأكمل البساتين في الجنة . وبما أن كمال النعم بدوامها وأن لا تطالها يد الزوال ، لذا فإن الآية تقول بلا فصل : خالدين فيها . وبالرغم من أن طبع الإنسان قائم على التغير والتنوع ، إلا أن سكان الجنة

--> 1 - هناك كلام بين المفسرين حول تركيب جملة ذلك جزاؤهم فالبعض اعتبر " ذلك " مبتدأ و " جزاؤهم " خبرا و " جهنم " بدلا ، في حين أن البعض الآخر اعتبر أن المبتدأ محذوف و " ذلك " خبرا له ، و " جزاؤهم جهنم " مبتدأ لخبر آخر تقديره : الأمر ذلك جزاؤهم جهنم . إلا أنهم يظهر أن الرأي الأول أكثر تناسبا من غيره .